آراء

مقابلات

مقالات اخرى

مقالات تشكيلية

مقالات سينمائية

قصائد

السيرة الذاتية

الرئيسية

السيرة الذاتية
ولد الشاعر علي البزاز في مدينة الناصرية ونشر العديد من المقالات والقصائد في المجلات والدوريات العربية والبلجيكية والهولندية....  
  تتمة..

بيت سليل الصيف
عندما ادخلُ إلى ربيعكِ ،ارتدي سميكا من الصوف.
أين الوردة، ياايتها الحديقة التي اشجارها بين قوسين ؟

أملك المفاتيح
ولا بيت لي

الفيلم الوثائقي”خارج الإطار” للمخرج العراقي نزار الونداوي الصورة والسرد السرمدي

ما الذي يجمع بين المقهى والصورة؟ السرد الذي يشعّ من الصورة، مناصراً الذكريات لمقاومة الاندثار، والذي يقابل سردياً ما يرويه زبائن المقهى من حكايات ويوميات سرعان ما ينقلب إلى ماضٍ، يدخل في أحد أهم عناصر امتلاك الصورة وهو، تخليد الذكرى.

 

تعدّدت أساليب السرد في الفيلم الوثائقي"خارج الإطار"، للمخرج العراقي نزار النداوي (العرض الفني الأول في مهرجان روتردام للفيلم العربي). ثمة سرد مكتوم ومقهور زمنياً، تنطق به الصور التي هي من مقتنيات ابي سعد، صاحب مقهى "تراث المدينة"، المغرم إلى حدّ الهوس بجمعها وتعليقها الواحدة فوق الأخرى على جدار مقهاه، محاكياً أسلوب المعارض الفنية. ثمة سرد تلقائي غير متعثر اللسان، فصيح الدلالة، يقوله صاحب المقهى: "ذهبت من مدينة السماوة إلى مدينة الموصل من أجل اقتناء صورة، وعندما عرف سائق سيارة الإجرة الذي أقلني إلى هناك بالأمر قال لي: " أنت أكبر رجل مجنون بالصور في العالم".
ليس اهتمام ابي سعد بالصورة هواية فحسب، بل هو بيت فني يستعمله ضد النفي، إذ سافر إلى بلدان عدّة، ثم عاد ليسكن في مدينته السماوة التي يعتبرها قبلة العالم ولا يسكن غيرها البتة. شعرَ خارج العراق بالتهديد لكونه يعيش بعيداً عن بيته - الصور، وهناك وقف منجرداً أمام الزمن، بعيداً عن الحماية التي توفرها له تلك الصور. هو يعي تلك باعتبارها عملاً فنياً يدخله من باب الماضي إلى النجاة . هؤلاء الأشخاص المشغولون بتوثيق الماضي، يكتسبون طبائعه. يعتبرون الذكريات ملجأ طمأنينة وكيداً لحاضر لا يجدون مواهبهم فيه. هم على صلة بالقديم من خلال الصور أو التذّكر. غالبية الصور بالأسود وبالأبيض، لأن الملوّنة غير أمينة للماضي. يهدف اللون إلى تجميل الزمن، وهم يعيشون حاضراً ذا بعد واحد مستمد من الصور بوصفها ماضياً. فلا يحتاجون إلى تزويقه.
يعوّض التذّكر حاجة التلوين. إنّها من لون واحد يشبه الماضي. حاجة غابرة، لونها، لون الماضي وهو الأسود والأبيض. تقول سوزان سونتاغ: "لقد أخطأ بروست في تفسير ماهية الصورة الفوتوغرافية: ليست أداة من أدوات الذاكرة بقدر ما هي اختراع من اختراعاتها أو البديل منها".
يعرف ابو سعد تواريخ أشخاص صورِه، الذين يفتخر بهم. بعضهم شعراء، وفنانون، وموظفو دولة، فيعدّد درجاتهم الوظيفية ومناصبهم. بمعايشته الدائمة للصور، يحقّق لها ما تفتقر اليه من الإفصاح عن كينونتها. فهو يتحدث بلباقة أمام الكاميرا تعويضاً عن فم الراوي الذي حُرمت منه الصور. قصّ إنساني في مقابل قهر لساني صوري.
السرد هو الشراكة الوثيقة بين عناصر الفيلم: الصور تتحدث عن التاريخ، والمقهى يجمع زبائن من الممكن أن يصيروا صوراً، حال وقوفهم أمام الكاميرا. جاؤوا ليقصّوا تجاربهم، فربما يختلفون كلٌّ بحسب روايته. سبق أن انطلقت من المقهى حكايات "قرقوز" التركية ولاحقاً ما يسمّى بـ"مسرح المدينة"، فلا عجب أن يتحدث ابو سعد بهذه الطلاقة الواثقة، لأنه يعبّر عن لسان الصور المقموع، الذي يهفو غريزياً إلى القصّ بسبب عدم وجوده، وعلى ألسنة زبائنه بلسانه العضوي.
السؤال، ما مصير تلك الصور إذا عُلقت على جدار آخر ليس في مقهى ابي سعد؟ تعيش تلك الصور في متحف الألسنة، وسوف يصيبها الاندثار بعيداً عن متحف الروي/المقهى.
السرد حافظ للحياة تماماً مثل الصورة. ألم تنقذ حكايات "الف ليلة وليلة" شهرزاد من القتل، كما حقٌقت حكاية "التمساح"، انتقام الحكيم دوبان من الملك يونان بعدما فتك به، وكذلك البقاء والنجاة في حكاية "الصيّاد والعفريت"؟
الاحتفاء بالسرد، والتركيز على الصور، ساهما في تقييد الحنين إلى الموسيقى التصويرية التي غابت من الفيلم، لكن تلقائية حضور شخصية ابي سعد، ساهمت في نجاحه وكسر الرتابة المتوقعة من أفلام كهذه، تتمحور على شخص واحد فقط. ولم يتعزز الشعور بالحاجة إلى وجود مقابلات مع آخرين، لذا يُعتبر"خارج الإطار 22 دقيقة"، من الأفلام الشخصية. ولانه كذلك، فلا حاجة إلى التعليق، الغائب هو أيضاً.
فالفرد الوحيد فيه، استوفى كل متطلبات البناء وهو يعيش فعلاً داخل كادر حياته واهتماماته اليومية والفنية. فلماذا عنوان الفيلم "خارج الإطار"؟
هناك وعي مخبوء في حياة ابي سعد، وانها صدفة واعية امتلاكه "مقهى التراث"، فالصور المغرم بها، لها تراث تاريخي جماعي، وهو شخصياً مولود ذاكرة جماعية. بدونها يبدو خارج سياقه اليومي.
لقطة قريبة تصوّر حقيبة قديمة وكبيرة تحتوي على الكثير من الصور والوثائق، هي كنز حياته كما يقول.
لذا لا ينسى في حديثه ذكر مدينة جلجامش الوركاء التاريخية، القريبة من مدينة السماوة، ولكن، ويا للأسف، لم يخض الفيلم في هذه النقطة المهمة، ذات الأبعاد التاريخية والتي لها من الصور الشيء الكثير الذي يعزّز غاية الفيلم. وثمة رأي يقول: إنّ أول فيلم في العالم هو الفيلم السومري. بمعنى الرسوم والصور التعبيرية التي تروي رسماً أساطير الحضارتين السومرية والآشورية. المونتاج عبّر في سلاسته عن بناء الحكاية المرن، فلا مؤثرات بصرية، أو صوتية. وجود مادة طيّعة يلغي ضرورة الدخول في اكسسوارات العملية الفنية.
لا يتمكن النسيان من الغاء حواس المكان بممارسة وظائفها في الشم واللمس والبصر، عندما تكسب مؤازرة الصورة وتنتشر بالروي. في مثل هذه الحال، يمكن الحديث عن المكان غير المطرود من السرمدي.

جريدة "النهار" 01/07/2008



[ الرئيسية ] [ السيرة الذاتية ] [ قصائد ] [ مقالات سينمائية ] [ مقالات تشكيلية ] [ مقالات اخرى ] [ مقابلات ] [آراء ] [ اتصال ]         [ Nederlands ]

All copyrights reserved ©2005-2010 Iraqihost.net